هذا هو واقع الحال المر والمحزن الذي تعيشه كل أبواب المسجد الأقصى المبارك ، لدرجة أن هيئة الأوقاف الإسلامية أعلنت في عام 1969 أنها ستمنع دخول السياح الأجانب إلى حرم الأقصى المبارك بعد قيام المجرم "روهان" بحرق الأقصى المبارك ، فما كان من "موشيه ديان" في حينه إلا أن أخبر الأوقاف انهم إن أغلقوا أبواب المسجد الأقصى المبارك في وجه السياح فسيقوم بفتح الأبواب بالقوة وسيدخل السياح الأجانب بالقوة .
كل ما ذكرت حتى الآن ينطبق على جميع أبواب المسجد الأقصى المبارك، إلا الأبواب المغلقة منها بطبيعة الحال ، ولذلك سأذكر هذه الأبواب بالتفصيل مع الحديث عن خصوصيات بعض هذه الأبواب بداية من الزاوية الشرقية الشمالية لحرم الأقصى المبارك .
في الزاوية الشرقية الشمالية يقع باب " الأسباط " ، الذي يدخل منه غالب المسلمين إلى الأقصى المبارك ، ولأن هذا الباب يقع تحت السيطرة الإسرائيلية فيجري إغلاقه كل يوم بعد صلاة المغرب مباشرة ، وهذا يعني أن المسلمين لا يستطيعون الخروج منه بعد صلاة المغرب ، وكذلك لا يستطيعون دخوله أو الخروج منه في صلاتي العشاء والفجر .
يليه باب " حطة " الذي يقع في جهة الأقصى الشمالية ، وهو الباب الوحيد الذي يستطيع المسلمون دخوله أو الخروج منه في كل الصلوات بدون استثناء ، بداية من صلاة الفجر حتى العشاء ، وهنا أؤكد أنه هو الباب الوحيد الذي يستطيع المسلمون دخوله والخروج منه بعد صلاة المغرب أو في صلاتي العشاء والفجر ، أما بقية أبواب المسجد الأقصى المبارك فكلها تغلق بعد صلاة المغرب مباشرة حتى ساعات الصباح .
ثم يليه باب " فيصل " الواقع في جهة الأقصى المبارك الشمالية في اتجاه الغرب ، وينطبق عليه ما ينطبق على باب " الأسباط " .
ثم يليه باب " الغوانمة " الذي يقع على وجه التقريب في الزاوية الشمالية الغربية ، وينطبق عليه ما ينطبق على باب " الأسباط " مع التأكيد انه تعرض لجريمة إحراقه في عام 1998 على يد مجهولين من المتدينين اليهود.
ثم يليه باب " الناظر " الواقع في جهة الأقصى الغربية ، والذي يؤدي إلى مبنى هيئة الأوقاف وينطبق عليه ما ينطبق على باب " الأسباط " .
ثم يليه باب " الحديد " الواقع في جهة الأقصى الغربية وينطبق عليه ما ينطبق على باب " الأسباط " .
ثم يليه باب " القطانين " الواقع في جهة الأقصى الغربية وينطبق عليه ما ينطبق على باب " الأسباط " .
ثم يليه باب " السلسلة " الواقع في جهة الأقصى الغربية ، وهو الباب الذي تقع فوقه المدرسة التنكزية ، التي حولتها القوات الإسرائيلية إلى ثكنة عسكرية ، وهناك تخوف عند مسؤولين كبار في هيئة الأوقاف أن هناك حفريات تبدأ من هذه المدرسة وتمتد تحت المسجد الأقصى المبارك ، وينطبق على باب " السلسلة " ما ينطبق على باب " الأسباط " .
ثم يليه باب " المغاربة " الواقع في جهة الأقصى باتجاه الجنوب ، وهو باب شبه مغلق طوال أوقات الصلوات في وجه المسلمين ، ومن الملاحظ أن القوات الإسرائيلية تضع على هذا الباب قوات من الشرطة والجيش .
ثم يليه الباب المغلق المؤدي إلى الأقصى القديم ، كذلك الباب الثلاثي المؤدي إلى المصلى المرواني ، وكلها تقع في جهة الأقصى الجنوبية .
ثم يليه باب " الرحمة " المغلق ، والذي يقع من الجهة الشرقية للمسجد الأقصى المبارك ، وهو الباب المجاور لمقبرة الرحمة التي تضم قبري الصحابيين " عبادة بن الصامت وشداد بن أوس " رضي الله عنهما .
هذا هو حال أبواب المسجد الأقصى المبارك التي يدخل منها آلاف السياح الأجانب يوميا ويدخلون إلى المسجد الأقصى المبارك ، ومنهم العاريات ، ومنهم الذين يدخلون وهم على جنابة ، رغم انف كل المسلمين والعرب والفلسطينيين في كل العالم ، لذلك لا أبالغ إذا قلت أن الصليبين قد دخلوا المسجد الأقصى المبارك من جديد ، ولكن بأسلوب غير عسكري .
لقد اشتطوا وأصابهم الغرور وظنوا أن انتصاراتهم في الحروب ستزيدهم قوة وإمعانا في السلب والنهب والتحكم في الشعوب ولكن تلك ليست انتصارات بالمعنى الحقيقي إنما هي جرائم بشعة يرتكبونها في حق البشرية يبتل لها جبين الإنسانية وتخضل لها المآقي والجفون , فهم يحاربون شعبا أعزلا وليس جيشا مسلحا وبأقصى ما لديهم من أسلحة وعتاد يقتلون بها الأطفال والنساء والرجال والولدان الذين استنكروا عليهم حمل حتى السكاكين التي يقشرون بها البصل أو الحجارة التي ترمى بها الكلاب الضالة من شدة جبنهم وهلعهم لأنهم يعلمون علم اليقين أنهم ليسوا أصحاب حق في هذا البلد وأن أي ضربة من طرف هذا الشعب أو رمية منه سيكون بها من الحق كحقهم القوي المتين في أرضهم وعليه ستكون ضربة مسددة أو طعنة نجلاء نافذة لها شديد الأثر عليهم فصاحب الحق قوية عينه ومرهبة نظرته و صائبة ضربته ومسددة رميته وصادقة كلمته .
لقد نما في عقولهم أن هذه الأرض هي أرضهم وأنهم استعادوها من الأعداء مع أن الأرض لله يورثها عباده الصالحين والأرض لمن يزرعها ويبقى مستقرا فيها قرونا وأزمانا وإذا كانوا يتذرعون بالأمد البعيد البعيد عندما قال الله لهم ادخلوا الأرض المقدسة وعندما قالوا إن فيها قوما جبارين , لم يقل الله لهم أخرجوا أهلها أو احتلوها بالقوة أو قاتلوا أهلها وأبيدوهم عن بكرة أبيهم بل هم الذين قالوا إن فيها قوما جبارين وإنهم لن يدخلوها ما داموا فيها وهكذا فهي فكرة نمت عندهم فكرة الاحتلال و طرد الناس الموجودين فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ينفي عنهم إلى الأبد فكرة التعايش السلمي مع بقية العباد بل يريدونها لوحدهم , اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ومع ذلك فما علاقة يهود اليوم ببني إسرائيل إن هذا لأمر عجيب لا علاقة من قريب أو بعيد بين يهود اليوم و هم المتهودون وبين بني إسرائيل فإذا قيل الديانة اليهودية فقد حرفت وليست صحيحة هي اليوم وإذا قيل التوراة فقد كتبوها بأيديهم وصاغوها كما شاءت نياتهم وإذا كانت صحف موسى فهي عند الله , وإذا قيل أنهم أتباع موسى عليه السلام فيهود اليوم ليسوا أتباع موسى بل إن بني إسرائيل أنفسهم قد تخلوا عن موسى ولم يمتثلوا لأمر الله فاتخذوا العجل وطلبوا أن يروا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وظلموا أنفسهم وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله وكفروا بآيات الله وكانوا يقتلون النبيين بغير الحق وعصوا الله وكانوا من المعتدين ثم نقضوا ميثاق الله وتولوا واعتدوا في السبت فكانوا بأمر الله قردة خاسئين وجادلوا موسى عندما أبلغهم أمر الله بذبح بقرة حتى ذبحوها بعد جدال وما كادوا يفعلون ثم قست قلوبهم وصارت كالحجارة أو أشد قسوة وحرفوا كلام الله بعد ما عقلوه ونافقوا في أيمانهم وكتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا وقالوا على الله مالا يعلمون وأعرضوا وتولوا عن ميثاق الله وقتلوا أنفسهم وأخرجوا فريقا منهم من ديارهم وتظاهروا عليهم بالإثم والعدوان فآمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وكذبوا فريقا من الأنبياء وقتلوا فريقا وقالوا قلوبنا غلف وكفروا بأنعم الله وبما أنزل فباءوا بغضب على غضب وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وقالوا سمعنا وعصينا ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وحملوا التوراة وما حملوها وكذبوا بآيات الله وزعموا أنهم أولياء لله من دون الناس واستنكفوا عن دخول الأرض المقدسة واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا وألبسوا الحق بالباطل وأمروا الناس بالبر ونسوا أنفسهم فلماذا هم اليوم ينتسبون لهم ويصرون على ذلك ويتباكون على أرض الميعاد وهم كذلك بتلك النعوت إلا أن يكون الأمر أمرا دعائيا ومرتبا والهدف منه الاستيلاء على أرض الغير تارة بالقوة وأخرى متسترين وراء دينهم وإلا أي عاقل ينتسب إلى أمة عصت الله واتصفت بكل ما وصفت به آنفا إلا أن يكون وراء هذا الانتساب مراما مستحيلا فليسوا هم من أمروا أن يدخلوا الأرض المقدسة فأولئك كانوا بني إسرائيل ومع ذلك فهم لم يدخلوها , وهؤلاء اليوم ليسوا بني إسرائيل وقد كان ذلك منذ زمن سحيق وكان له مسبباته ولا شك إنهم ليصرون على الحنث العظيم وهم يحاولون اليوم أن يجدوا آثارا لهيكل سليمان الذي يدعون أنه تحت المسجد الأقصى لقد تركوا كل الأماكن وحشروا هيكلهم المزعوم تحت المسجد الأقصى نعم والله إنهم ليفعلون ما يشاءون وقد يأتي يوم يصنعون فيها آثارا يهودية قديمة في مصانعهم أو يكتبون أحافير على عظام أو قراطيس بالية ويدسونها في محافرهم ويأتون بالإعلاميين والدعائيين ليصوروا هذه الحفائر ويقولون إنهم اكتشفوها وقد يضعون بعض العملات الذهبية القديمة المصنعة حديثا والمرسوم عليها مذراتهم السبعاوية أو نجمتهم السداسية , أو قد يذهب بهم الأمر إلى بناء هيكل جديد بعمارة قديمة تحت المسجد نفسه في أنفاقهم التي حفرتها أيديهم إذ أنهم لا يسمحون لأحد أن يدخل سراديبهم ولا أحد يعلم ماذا يفعلون في الأنفاق حتى لو عربدوا وأقاموا الحفلات التنكرية فهي بحماية جلاديهم وهكذا يحلمون تبا لهم وتعسا لهؤلاء القوم النصابين المخادعين الغشاشين .
إلى متى هؤلاء القوم سيزيفون الحقائق وإلى أي مدى سيروجون الإشاعات وينشرون الأباطيل والأقاويل والخزعبيلات والأساطير والأكاذيب ويمارسون التدليس والغش والدجل ومهنة الجلادين وإلى متى هذا النفاق , سيأتي يوم لا يستطيعون فيه استكمال مخططاتهم لأنها قامت على أسس مهينة من التزييف والفساد والغش والخداع والكذب والنفاق وسيعرفون أنهم ظالمون وان بضاعتهم سترد إليهم وأن ما فعلوه في هذا الشعب العملاق كان جورا وبطشا ولكن هل سيندمون ربما لو قرأ أحفادهم التاريخ سيعرفون أن دولتهم هذه قد قامت على أسس واهية وباطلة وعندها سيوجهون اللوم لأجدادهم وسيعلمون أن أجسامهم هذه قد نبتت من حيف وجور وظلم واستعباد وفسق وفجور وعربدة وثبور وسوء تصرف وسرقة , وأن نموهم كان من الفساد ومن السحت وعندها سيلعنون أجدادهم بما جنوا عليهم مع أنهم لا ذنب لهم إذ ما ذنب أبناء الزنا الذين يرمون في الشوارع ولا يؤخذ الأبناء بجريرة الآباء وقد يستطيع أحدهم أو فئة منهم ممن صحت ضمائرهم وأدركوا الحقائق ووعوا التاريخ وفهموا ما وراء ذلك وتبعاته أن يردوا الحقوق لأصحابها أو أن ينقذوا ما يمكن إنقاذه فيعيدوا ما سلب أو على الأقل يعترفوا بخطيئة أجدادهم فيستسمحوا المظلومين ويواسوا المكلومين ويدفعوا الظلم عن الموتورين ويكفوا أيديهم عن المساكين وما كانوا مساكين بل لقد جعلوهم مساكين في أرضهم وفي أملاكهم وفي دورهم وفي ممتلكاتهم ينظرون إليها من بعيد ويتحسرون ويتذكرون عهود الصبا فيها فيحنوا لأوطانهم و لمرابع شبابهم و مراتع طفولتهم . وكأني بهم قد وجدوا ليثيروا القلاقل في البسيطة وليقسموا العالم إلى قوى تتصارع وأمم تتلاطم وشعوب تتضارب حتى ولو كونوا لهم وطنا في غير فلسطين , فإن تعاليم حاخاماتهم لتملي عليهم ذلك فهم يريدون أن يحطموا العالم ويعبثوا به في سبيل أن يبقوا هم .
هناك موضوع لا بد من ذكره في هذا الكتاب حيث أن له علاقة مباشرة بنكبة فلسطين ألا وهو موضوع الاتجاهات العقلية السائدة , فما هو الاتجاه العقلي السائد والاعتقاد المشترك وما الذي يميز المجتمعات عن بعضها ظاهريا, الاتجاه العقلي هو من اختصاص العقل الباطن فهو مجموعة من الاعتقادات التي يكتسبها العقل الباطن من جراء المشاهدة أو الأقوال أو الأفعال فيحتفظ بها هذا العقل الباطن لتتحول بعد ذلك إلى إيحاءات يقوم بها الإنسان بشكل عفوي ودون أن يكون لعقله سلطان عليها فهي تدخل وتبني لها عشا في ذلك الباطن , والعقل الباطن هنا لا يميز بين الخبيث والجيد وبين القبيح والحسن وكل ما يفعله هو الاحتفاظ بهذه المعلومات حتى يخرجها كما هي فتؤثر على التصرفات الذاتية اللاشعورية بما يشبه الإيحاء ولكن نستطيع أن نقول أنه إذا أردنا أن يكون في العقل الباطن مستودع للخير فلا بد أن يكون ما يودع به خيرا وفاقد الشيء لا يعطيه , إن موضوع التأقلم و الاتجاه العقلي السائد لا يتأتى للإنسان الذي يعيش في مجتمع إلا بعد أن يعيش فترة طويلة في هذا المجتمع فلأول وهلة عندما يواجه المرء مجتمعا جديدا يشعر بأن اتجاهه العقلي السائد في مجتمعه السابق قد بدا يتلاشى ليحل محله الاتجاه العقلي السائد في المجتمع الجديد وبشكل لاشعوري ويتطلب ذلك مدة وعلى سبيل المثال من الاتجاه العقلي السائد اللكنة اللغوية التي يتحدث بها المجتمع فلا يلبث المرء في مجتمعه الجديد أن يندمج و يتأقلم ويجد نفسه عفويا يتحدث بلكنة أهل البلد دون أن يجبره أحد على ذلك أو أن يتلقى أي تعليمات في هذا الشأن فهذا جانب من الاتجاه العقلي السائد الذي هو عنصر من عناصر التأقلم العفوي وهذا ما يميز مجتمعا على آخر فهو جزء من خصائص المجتمعات والشعوب والقبائل وذلك لأن الإنسان اجتماعي بطبعه وفطرته لا يمكن أن يعيش في عزلة طوعا , ومعنى أنه اجتماعي أنه سيكتسب خصائص ذلك المجتمع وعاداته وتقاليده واتجاهه العقلي السائد شاء أم أبى فهذه الأمور لا خيرة له فيها إذ سيجد نفسه وبشكل عفوي يمارس ما يمارسه هذا الجمع الغفير من حوله ومثال آخر عندما تكون في مجتمع ما ثم تغادره إلى مجتمع آخر جديد فإنك ستلمس هناك اختلافات كثيرة تتعلق بأمور شتى وقد تشعر بهذا الاختلاف أو تستغرب له ولكنك بعد مدة تجد نفسك تمارس الأمور التي كنت تستهجنها وتظن أنها شاذة فإذا بها تصبح جزءا من صميم حياتك ولا بد لك أن تستسيغها وأنا أعرف بعض الشعوب تستحسن كبر البطن مثلا وتعتبره من الوجاهه في حين أنه عند شعوب أخرى يكون مدعاة للسخرية والتهكم , وهذا له علاقة أيضا بالإشاعات , إن للاتجاه العقلي السائد علاقة مباشرة بالإشاعات فإذا كان هناك مجتمع يؤمن بالجن ويعوذ به ( اقرأ الآية رقم 41 من سورة سبأ يقول الله تبارك و تعالى : قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ) ( والآية رقم 6 من سورة الجن يقول الله تبارك و تعالى : وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا . ) ويعتقدون في التلبس , فقد تقول أنا لا أعترف بتلبس الجن ولكن بعد زمن ستكون في صميم الحدث وستجد نفسك عند أحد المشعوذين , كذلك ما كان يحدث في المجتمع الفلسطيني وخاصة قبل النكبة وقد يكون ذلك له ارتباط بمستوى الثقافة العامة لدى الناس أو المستوى التعليمي أو التقدم الحضاري المرتبط بالعلم على مستوى العالم وعليه فإن نوعية الاتجاه العقلي السائد ومحتواه له علاقة مباشرة بالتقدم العلمي أو الثقافة العامة السائدة في ذلك المجتمع وعليه فقد يكون هناك شعوب متأخرة تعيش في نفس الزمن الذي تعيش فيه الشعوب المتقدمة وهذا يؤدي إلى اختلاف درجات وأشكال الاتجاه العقلي السائد هنا وهناك متأثرا بمستويات العلم والثقافة السائدة وقد ينظر إليك باستغراب أو شزرا وتتهم بالشذوذ لو لم تفعل ما يفعلون ولو كان ما يفعلونه من الباطل والجهالة , حتى أن بعض أمثالهم تقول ( من عاشر القوم صار منهم ) , ( إذا كنت في الصين فافعل ما يفعله الصينيون ) , ( حط رأسك بين الرؤوس وقل يا قطاع الرؤوس ) حتى ولو كانت تلك الرؤوس فارغة من أدنى المحتويات البشرية وتعج بالخرافات أو متحجرة متصلبة تدعمها المفاهيم الخاطئة والترسبات البالية, إن هذا الاتجاه العقلي السائد هو وليد شعور مطلق مرتبط بالعقل الباطن والإنسان فيه مسير وليس مخيرا ولا علاقة له بأي شيء فقد يكون الاتجاه العقلي السائد حسنا ومستحسنا كعبادة الله والورع والتقوى أو الصدق أو الكرم أو الصفات الحسنة في الإنسان والتي جاءت بها جميع الأديان السماوية لأنها من عند الأحد فتقول إن من صفات هؤلاء القوم الصدق والأمانة أو الورع والتقوى أو إغاثة المضطر وعليه لكل أمة اتجاه عقلي سائد يختلف عن أختها وقد يكون الاتجاه العقلي السائد سيئا و مستقبحا كبعض العادات السيئة كالزنا واللواط حتى ليقال إن أهل قرية ما مشهورون بالزنا أو أنهم قطاع طرق وهكذا , يا ترى ما هو الاتجاه العقلي السائد السلبي الذي كان يعم الشعب الفلسطيني في ذلك الوقت وما علاقته بالنكبة , نعم إن له علاقة كبيرة بما حدث لهذا الشعب من نكبات تماما كما نقول أن هناك اتجاها عقليا سائدا اليوم وهذا الاتجاه العقلي السائد يتغير بتغير درجات التقدم العلمي والفكري المرتبط بالزمن ففكر الإنسان قابل للتأقلم والتكيف بسرعة , وإن كثيرا من العادات والتقاليد نمت وترعرعت في ظل ما سميناه بالاتجاه العقلي السائد ومما لا شك فيه أن هناك اتجاها عقليا سائدا إيجابيا وآخر سلبيا ونحن لا نريد أن نتطرق إلى الاتجاه العقلي الإيجابي الذي لا يتناقض مع الأديان والشرائع السماوية وهو محمود في كل الأحوال ولكننا والحديث عن النكبة سنقتحم بوابات الاتجاه العقلي السائد السلبي لأنه كان سببا رئيسا لكل ما تعرض له هذا الشعب من نكبات ولمعظم ما عانى من ويلات . إن ما نسميه اليوم من خرافات وهي إحدى مخاضات الاتجاه العقلي السائد السلبي والتي كانت منتشرة ذاك الحين بين هذا الشعب لها شديد الأثر وساهمت في حدوث النكبة بشكل فاعل , ألا تبا للغزو العثماني الذي جثم على قلوب الناس أربعمائة سنة , نعم أربعة قرون والناس يظنون ويوقنون ويعتقدون أن هذا الغزو البغيض يعمل لمصلحتهم فيريد لهم الخير والرخاء والتقدم , وتكون لديهم اتجاه عقلي سائد سلبي حتى عد من يسب الخليفة العثماني من الكفار ومن يتطاول على الباب العالي فقد ظلم نفسه وذنبه على جنبه ويحمل وزره , وحتى تولد لدى الناس ذاك الاتجاه العقلي اللعين الذي جرهم إلى مستنقعات من الجهالة والتخلف وأطال أمد الاحتلال و عزز نيره وطمس على بصيرتهم ونوَّمهم تنويما مغناطيسيا وغسل أدمغتهم إلا من الامتثال والطاعة العمياء للخليفة والتخلف وما هو بخليفة , وكانت النتيجة مزيجا من القهر والاستعباد والمذلة والفاقة والعوز والتخلف الثقافي والحضاري عن بقية الأمم والخضوع التام والاستسلام والخنوع والخور والضعف والاستخذاء والموالاة والتراخي وفناء العزيمة وترعرع الخرافات وذهاب النفس واليأس والاتجاهات العقلية السلبية , حتى الذين تعلموا في الجامعات ونالوا الدرجات العلمية وعادوا لأوطانهم بعلومهم وشهاداتهم وجدوا صعوبات جمة في ممارسة أنشطتهم العلمية والنهوض بالمجتمع والتقدم والحضارة والارتقاء والتأقلم في مجتمعاتهم التي تجذرت فيها تلك الاتجاهات وترعرعت وأنبتت وتبرعمت وأثمرت وأينعت حيث اصطدموا بما كانوا يتوقعون من سواد الاتجاهات السلبية والعادات العقيمة التي يتشبثون بها فكانت تلك بمثابة العوامل المثبطة التي حدت من انطلاقهم كعلماء باحثين وجمحت بمسيرة تقدمهم كمثقفين ثاقبين وجنحت بسفنهم العابرة كراغبين جادين في التطبيق العلمي , وقد تضايق الكثيرون منهم من هذا الأمر ففروا بعلمهم وثقافتهم وتطبيقاتهم إلى حيث ينطلقون ويبدعون في بيئات أخرى محفزة يكون فيها الاتجاه العقلي السائد السلبي أقل ما يمكن , وفعلا تم لهم النجاح فاخترعوا وأبدعوا وحصدوا الجوائز ومارسوا حياتهم كما يريدون متحسرين على أوطانهم ومشفقين على شعوبهم , أ رأيتم ما يفعله الاتجاه العقلي السائد السلبي في الشعوب , الغريب في الأمر أنهم لا يكتشفون سلبية هذا الاتجاه إلا بعد فوات الأوان , و من الاتجاه العقلي السائد السلبي أيضا ما كان شائعا من الخرافات والمعتقدات الدينية الخاطئة واختلافهم في تأويل الأحاديث والتي ساهمت أيضا في مزيد من الجهل فقد كانوا يعتقدون في السحر والعرافة وقراءة الكف والشعوذة وتحضير الأرواح وحلقات الزار والمس والعمل والأرض الخفيفة ناهيك عن خزعبيلات ليلة الدخول بالزوجة التي قد تؤدي في بعض الحالات إلى العقم التام و خراب البيوت وخيبة الآمال بل وتقويض دعائم الأسرة الوليدة ووأد بنائها وما هي إلا أوهام يستسلم لها المرضى ونتائج سلبية للاتجاهات العقلية الرديئة , و مثلا قد أشيع أن امرأة طارت وجابت الآفاق حتى وصلت للجنة ثم عادت وأحضرت معها أشياء من هناك وعليه صار كل واحد مشوقا لرؤية هذه الأشياء السماوية وطبيعتها وبالتالي ازدحم البيت بفارغي العقول و مصدقي الإشاعات وقد دفع كل واحد قرشين لقاء هذه الرؤية , كما أشيع أيضا إشاعة أن من يفتح القرآن المجيد سيجد فيه شعر آدمي وأن هناك أرواح تأتي في سلة مغطاة بمنديل وتكتب بالعربي وتجيب على الأسئلة بالكتابة ومن هنا ترك الناس أعمالهم وواجباتهم وترك الطالب مراجعة دروسه ونشاطه المدرسي وانهمكوا كلهم في تحضير الأرواح أو البحث في القرآن عن شَعَر فالاتجاه العقلي الذي ساد هنا بطبيعة الحال هو تصديق الإشاعات وقد كان لديهم رصيد من الخرافات كانت كافية لمزيد من التقوقع يشربونها أطفالهم منذ الصغر فيشب الفتى وفكره مليء بهذه الترهات الباليه وتلك الأحاديث الخيالية المكذوبة والمفاهيم الخاطئة التي ملئوا بها عقول أطفالهم فاستحوذت عليها حتى أصبحت في أعماق تصرفاتهم ومكنون أنفسهم وصميم أفكارهم وجزءا من ثقافتهم وخاصة ما يدخل فيها التخريف عن الغول الذي دخل على بيت امرأة تسكن لوحدها وأجبرها على أن تطحن معه وهو طبعا مخلوق مرعب شعره طويل جعد يقطر زيتا حيث تناول إبريق الزيت وطفحه على رأسه وعيونه مصابيح تضيء البيت طويل القامة وقد يحمل قرونا فوق رأسه مثيرة للاشمئزاز وفيه كل قبح و بشاعة قد يتصورها الطفل إلى أبعد حد وهو لا محالة آكلها كلها في النهاية , ولا مانع لو رأى طفل من بعد ذلك أحد الناس في العتمة أن يحدث صديقه في الصباح قائلا لقد رأيت الغول أمس , لقد شب هذا الغول الخيالي في عقول الأطفال وفكرهم وعشش في أدمغتهم منذ الصغر حتى أرعبهم ولحس عقولهم وأخذ الكثير من حجم فكرهم وكذلك ذو الساق المسلوخة , والنداهة , وسر الليل , ومصباح علاء الدين , والجن الأزرق , والشياطين المتربصة , والقرصان الأحمر , والكنز المفقود , والأميرة التائهة , وسيف الأمير , والشاطئ المهجور , وخاتم سليمان , وذات القرون والعيون الخلفية , والمارد الذي يظهر في الليالي المقمرة ،, ووادي المردة الذي يصرع من يمر به فيصاب بلوثة عقلية فلا شفاء له طيلة حياته , والعجوز الساحرة , و المسبوع الذي يرتجف رعبا من أي شيء دونما سبب, والضبع القاتل الذي قلما ينجو منه أحد حيث يضبعه بذيله المبلول فيغدو كالمجذوب الذي لا يستطيع حراكا فيتسمر في مكانه فلا يستطيع الهرب ومن ثم يأكله, ولولجي ذات الشعر الطويل, وجبينة وشجرة الدوم , وقاتل السبعة بضربة واحدة , وطاقية الإخفاء , ومصاص الدماء , والقاتل المجهول , والقطة الرصد التي تمشي بمحاذاة العائدين لبيوتهم وحيدين في أعقاب الليالي , وسراج الغولة المضيء ليلا فقط , إذ طالما أن هناك غولا فلا بد أن يكون له زوجة ولكنها ليست جميلة طبعا , وحورية البحر التي تظهر من المياه حتى أن بعض الأطفال وأنا منهم ذهب لينتظرها على الشاطئ آملا أن تطلع له من البحر فيطلب منها ما يريد أو على الأقل يتحدث معها . عندما يشب الطفل وفي دماغه كل هذه الصور الخيالية المثبطة والأفكار السلبية والأساطير البالية المفزعة والقصص المثيرة المرعبة وهي الخاوية والخالية من كل مغزى والفارغة من كل محتوى , فماذا تتوقعون منه وترجون , هل تتوقعون منه شجاعة فذة أم عزيمة فريدة أم إقداما عتيدا أم مضاء مضاعفا أم إرادة ساخنة أم ذكاء خارقا , كلا بل الخوف والرعب والفزع والرهبوت والقلق والأحلام والكوابيس المفزعة والأفكار السلبية الموهنة وانعقاد اللسان , تلك هي الاتجاهات العقلية السلبية التي كانت سائدة في ذلك الوقت وقد كان لها سوء الأثر على هذا الشعب وعلى تجميد عقول الناس فيه والحد من حرية أفكارهم وتقوقعهم واكتفائهم بالقليل وقتل طموحاتهم ونزوعهم إلى الاستخذاء والخلود إلى الأرض ووأد الأفكار الإيجابية فيهم واستسلامهم للأوهام والإشاعات المثبطة للعزيمة المدمرة للتطلع والإرادة القوية , وعليه فإن إشاعة واحدة كانت كافية لأن تغير مجرى الأحداث وتحطم الجرأة وتثير الرعب في الأفئدة , وقد عرف العدو ذاك السر وتسلل إلى السرائر فحاربهم بما فيهم وبأسلحتهم ألا وهي الضعف والعزائم الخائرة التي هي نتيجة مباشرة للاتجاهات العقلية السائدة السلبية فاتخذه وسيلة إضافية سهلة للنيل من هذا الشعب وقد ملأت الأفكار السلبية عقول الناس واشتطت بهم الأفكار وذهبت بهم كل مذهب , ومع تواجد العوز والحاجة وندرة الموارد والفقر الكاسر والفاقة المذلة أصبح الناس كالدمى يتشبثون بقشة علها تأخذ بأيديهم وتقيل عثراتهم وتقيهم المآسي وما من مغيث إلا الله , وحقا إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
إنهم يحاولون أن يقتلوا في الشعب الفلسطيني الأمل و والكرامة ويغتالوا فيهم العزة والأنفة ويسلبوا الأطفال أحلام الطفولة البريئة وتطلعاتهم وابتكاراتهم ويختزلوا أفكارهم ويحصروها في التدمير والهلع والرعب والإرهاب وهدم البيوت وترويع النساء , أي دولة تلك بل أي آدميين هؤلاء الذين يمارسون هذا الهول والترويع والقرصنة وهذا الإرهاب المبرمج لقد تجردوا من أبسط مقومات الإنسانية وتحولوا إلى ذئاب جائعة وكلاب ضالة و إن كان الإنسان يعيش في هذه الدنيا ليروع غيره ويتلذذ بإهانة بقية الناس ويسلب وينهب فقد عدنا لعصور الظلام والجهل ولا بد لليل أن ينجلي وللقيد أن ينحل ويختفي .