مع ساعات
الفجر الأولى كنا نشق طريقنا سيرا على
الأقدام
باتجاه محطة القطار ، لسعات باردة تعلق بنسائم فجر ذلك اليوم
الربيعي و
تحمل في نفحاتها شذا الزهور المنبعث من بساتين البرتقال
المنتشرة
على جانبي الطريق، صياح ديك أرهبه الصمت المطبق على الكائنات من
حوله ،
فراح يؤذن في الناس بأن فجرا جديدا قد أتى
عند منتصف
الطريق سألني أبي إن كنت أشعر بالتعب من حمل الصرة التي تحوي
أغراضنا ،
فأجبته بالنفي ، لكنه عاد وكرر السؤال بعد لحظات قليلة وحين لمس
ثباتي على
الإجابة الأولى ، واصل السير إلى جواري بصمت ، إلى أن بدت لنا
ملامح
المحطة من بعيد كوحش يربض في وسط الظلام ، فهمس بتوجس قائلا : يا
خوفي ليكون
القطار فاتنا
لكن خوفه
تبدد لحظة
وصولنا إلى المكان ، إذ وجدناه مشغولا بعدد من الناس الذين
جاءوا لنفس
الغاية من قرى ومضارب قريبة ، تلفت أبي في الوجوه لعله يعرف
بعضها ، ثم
أخذني إلى ركن منزو وهمس قائلا : افتح الصرة لنأكل لقمة بدل من
عج السجاير
اللي حرقت قلبي ع الريق من وسط الصرة الكبيرة التي تحتوي على ملابسنا وأغراضنا ،
أخرجت
صرة أصغر
وجدت بداخلها رزمة فطير وكوم من البيض المسلوق بالإضافة إلى قطع
من الجبن
وفحول بصل مختلفة الأحجام ، فصفر أبي لرؤيتها مبديا استهجانه
ودهشته ،
ثم قال معلقا : بنت المجنونة ما خلت في الدار حاجة وكأنا رايحين
ع صحراء
ناولته
فطيرة وبيضتين وكذلك كانت حصتي ، ثم أعدت
الصرة إلى
مكانها ، عندها علا صفير القطار آتيا من بعيد ، فبدا التحفز على
الوجوه من
حولنا ، ثم شرع الناس بلملمة أغراضهم وكذلك فعلنا كانت المرة الأولى في حياتي التي
تطأ فيها قدماي هذا الوحش الممدد أمامي كثعبان طويل ،
سمعت صفيره
قبل هذه المرة ، كان يصل إلى مسامعنا في المراعي
البعيدة
وفي أحيان متفرقة أرى عامود الدخان المنبعث من رأسه كذيل حيوان
خرافي يرتد
إلى الوراء بفعل الريح ، ثم يصبح سحابة صغيرة تتشظى في لحظات
مفسحة
المجال لإحلال أخرى مكانها
دلفت إلى
داخل العربة بتوجس وخوف ، كما لو كنت ذاهبا إلى المجهول
.. تحسست
طريقي على بصيص أضواء خافته تشع من سطح العربة وجلست حيث أشار
أبي ، ثم
رحت أتأمل المصابيح بذهول وحيرة مردها عجزي عن الاهتداء إلى سر
النور
المنبعث منها من دون أن أرى له لهيبا أو دخانا .
صحوت من
شرودي هذا على صوت أبي وهو يهب مرحبا بإدريس الصافي
ويدعوه إلى
الجلوس بقربنا ، رجل في الأربعين من عمره ، متوسط القامة ويميل
إلى السمنة
بعض الشيء ، مليح المظهر بشوش الوجه ، صافحني الرجل أيضا وجلس
في المقعد
المقابل ، بدأ بالسؤال عن الحال والأحوال ، ثم عن سبب سفري ،
فأخبره أبي
بحاجته إلي في العمل ، عندها أشار عليه الرجل بأن يسمح لي
بالعمل في
دكان قريب منه ، خصوصا أن لدي تجربة في هذا المجال ، فوعده أبي
بالنظر في
الأمر ولكن بعد وصولنا إلى يافا ، ليرى إن كان في مقدوره
الاستغناء
عني أم لا ، عندها استأذننا الرجل في غفوة غط على إثرها في نوم
عميق وما
أن تحركت عجلات القطار حتى علا شخيره متناغما مع صفير القطار
وإيقاع
محركه المنتظم .