الحلقة الاولى
قال الراوي يا سادة يا كرام:
يحكى أنه في قريب الزمان، يوم كانت فلسطين عربية، وكان اليهود شعب أقليه، يفتخرون بانتمائهم لأرض فلسطين الطاهرة، أرض الإسراء والمعراج، مهد الأديان السماوية الثلاثة، ففلسطين أرض الميعاد عند اليهود الذين يعتقدون أن الله عاهدهم بأن يهبها لهم، وهي أيضا الأرض الطاهرة عند المسيحيين، لأنها وطن المسيح عليه السلام، وهي الأرض المقدسة الشريفة عند المسلمين، لأن بها المسجد الأقصى الذي يلي المسجد الحرام قداسة، وتضم فلسطين من المزارات المقدسة: بيت المقدس، وبيت لحم، والناصرة، وحبرون "الخليل".
كان اليهودي في روسيا وأوروبا وأفريقيا يحلم باليوم الموعود، يحلم بيوم الفرار من التمييز العنصري الذي يتعرض له في غرب أوروبا وشرقها... كان اليهودي يحلم بيوم الهجرة من الأحياء اليهودية " الجيتو Ghetto"، والتحرر من العبودية والقسوة التي يعانيها في المدن الأوروبية، وحرمانه من أبسط حقوق الإنسانية.
حقيقة أن اليهود كانوا مساكين يثيرون الشفقة، وذلك بسبب أوضاعهم الاجتماعية وعقائدهم الدينية، فقد زرعوا بذور الحقد والكراهية في نفوس الشعوب والمجتمعات التي عاشوا فيها، فتم طردهم من أوربا الغربية ونزحوا إلى أوربا الشرقية وروسيا.
وحيث أن اليهود يشكلون دائماً مجموعات منفصلة خاصة بهم عرقياً ودينياً ولغوياً، ولا يندمجون مع الآخرين ولا يتزوجون إلا فيما بينهم، ويمارسون دائما الأعمال القذرة والمنبوذة، فمنهم تجار الربا وأصحاب الخمارات والملاهي الليلية، لذا فقد احتقرهم المسيحيون، ونظروا إليهم نظرة ازدراء، وأثيرت حولهم النعرات اللاسامية، فوقعت ضدهم مجازر رهيبة في روسيا عام 1882م، مما اضطرهم للبحث عن ملجأ آمن يهاجرون إليه، فكانت البلاد العربية الإسلامية هي ملجأهم، فهاجروا إليها آمنين في ظل الدولة العثمانية، وانتشروا في فلسطين والشام وبلاد المغرب والجزيرة العربية.
ومع انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وانتصار بريطانيا العظمى، حصلت الأقلية اليهودية على حقوق وامتيازات إضافية حققت بها أحلام وآمال وتطلعات زعماء الصهيونية وعلى رأسهم ثيودور هرتزل، ونجحت مساعي اليهود الصهاينة من انتزاع وعد بريطاني بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، أعقبها موجة من الهجرة الصهيونية اليهودية إلى فلسطين، وازدادت الهجرة اليهودية وتضاعفت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث أثار الاضطهاد النازي لليهود عطفاً عميقاً عليهم، فشعر الأمريكيون والبريطانيون أن عليهم التزاماً بأن يعوضوا يهود أوربا المشردين عن الويلات التي عانوا منها على أيدي النازيين، بيد أن هذا التعويض إنما جاء على حساب شعب فلسطين الذي لا ذنب له ولا جريرة في الجرائم التي أرتكتب ضد اليهود في أوربا.
ومنحت حكومة الانتداب البريطاني اليهود سيطرة متزايدة على مقدرات فلسطين الاقتصادية، وتمتعت الصناعات اليهودية بحماية الحكومة، في حين كانت القرى العربية تُدَمرّ لتَفسح المجال للمستعمرات الصهيونية، وصار لليهود مستشفياتهم ومدارسهم ومنظماتهم السياسية، وتمتعوا بمعاملة متحيزة من حماتهم البريطانيين.
وأصبح لليهود في فلسطين حظوة وعزوة، وسخروا أموالهم لتحقيق مآربهم، فكان لليهودي الحق كأي مواطن عربي فلسطيني، أن يشتري ويبيع طالما أنه يدفع الضرائب للسلطات البريطانية الحاكمة وممثلها المندوب السامي، وهكذا أصبح اليهود الأجانب يشكلون حكومة داخل الحكومة البريطانية، وتضافرت جهودهم مع بعض الفلسطينيين المسيحيين، وقلة من الفلسطينيين المسلمين، الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، واللذة الآنية بالنعيم المقيم، لتغيير سلوكيات المجتمع الفلسطيني المحافظ على تقاليده وأعرافه وانتشرت المقاهي والملاهي، والمسارح ودور الفضائح، وفتحت الربوع السياحية الخلابة، وجذبت إليها طلاب الدنيا والمتعة الزائلة من شتى الأقطار والأمصار، حتى صار عدد السياح الأجانب أكثر من عدد السكان الأصليين.
****
وهنا تقوقع الحاج عبد الرحيم على نفسه وعلى زوجته "صبريه" وأطفاله العشرة... فعبد الرحيم فلاح فلسطيني مسلم ومسالم ومن بني سالم، يحب السلام ويعشق الأرض، وقد كانت له أرض صغيرة في قرية نائية من قرى الجنوب الفلسطيني اسمها "بربرة"، قرية هادئة وادعةً، على رمال السهل الساحلي للبحر الأبيض المتوسط، تبعد بضع كيلو مترات عن مدينته المفضلة "المجدل" … كان الحاج عبد الرحيم كثير الاعتزاز بأرضة وقريته ومدينته وجذوره، فهو لا يعترف بأن أرضه كانت صغير، وأن قريته "بربرة" كانت نائية غير مدرجة على الخرائط الجغرافية، وأن مدينته "المجدل" كانت مجرد قرية من لواء غزة الصحراوي، وأن جذوره اندثرت بين الشام واليمن كبقية الحضارات العربية التي سادت ثم بادت… لقد تغيرت الأحوال، وتبددت الآمال، فصادروا أرضه الصغيرة، وهاجر من قريته النائية، وابتعد عن مدينته المحبوبة، واجتثت جذوره العميقة الراسخة في أعماق أرض فلسطين لثلاثمائة سنة.
كان من السهل على الحكومة البريطانية ومندوبها السامي ووزير خارجيتها انتزاع الحاج عبد الرحيم من جذوره بقرار ملكي من صاحب جلالتهم، لكن من الصعب عليهم فهم الأساليب الاستراتيجية للفلاح الفلسطيني الذي تَعَوّدَ أن يترك بعض البذور في الأرض أثناء موسم الحصاد بشكل عشوائي، حتى تنمو النباتات المزروعة نظامياً، فيقتلع الأعشاب والنباتات العشوائية، لهذا حرص الحاج عبد الرحيم على تدريب زوجته "صبريه" على فن حفظ جذور العائلة، وشدد عليها في أواخر أيامه أثناء الحصار الإجباري، بأن تحافظ على "محمود" آخر حبات عناقيد العائلة، فهذه البذرة التي يتركها الفلاح في الأرض قبل موسم الزراعة النظامية.
وهذه الرواية التي سمعتها من الحاج عبد الرحيم في نهاية عام 1941م، قبل هجرته من قريته، وسمعتها من زوجته "صبريه" بعد عودتها إلى قريتها في نهاية عام 1947م، وعايشتها معهم في مخيمات اللاجئين بقطاع غزة من نهاية عام 1948م حتى بداية عام 1968م، واستكملت فصولها من على شرفة قصر "محمود" المطلة على شاطئ البحر الخلاب في غزة مع نهاية عام 1999م وبداية الألفية الثالثة...