منتدى أبناء قرية بربرة
أهلا وسهلا بكم فى منتدى أبناء بربرة اذا كانت هذه اول زيارة لك فاهلا وسهلا ويمكنك التسجيل ايضا اذا احببت ,والمنتدى مفتوح لاهالى بربرة فقط بمختلف عائلاتهم بفلسطين والشتات .


منتدى يهتم بشؤون ابناء قرية بربرة الفلسطينية المهجرة فى فلسطين وفى الشتات
 
الرئيسيةالرئيسية  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

منتدى أبناء قرية بربرة فى فلسطينالمنتدى عائلى خاص بأبناء قرية بربرة الكرام.لذا من أراد التسجيل عليه ان يعرف عن نفسه فى بند (تعاليق ).
عداد الزوار

  عدد زوار المنتدى  :.

احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 152 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو عيد الأشقر فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 2349 مساهمة في هذا المنتدى في 883 موضوع
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» قرار 44 للأمم المتحده
الإثنين 6 فبراير 2012 - 16:37 من طرف الشريف محمد خليل الشريف

» قصيدة عرب غير العرب
الأحد 5 فبراير 2012 - 20:21 من طرف الشريف محمد خليل الشريف

» حتى لا ننسى 2
الخميس 2 فبراير 2012 - 19:41 من طرف الشريف محمد خليل الشريف

» شؤون فلسطينيه وعربيه
الأربعاء 1 فبراير 2012 - 11:34 من طرف الشريف محمد خليل الشريف

» قصيدة لن تموت حبيبتي
الأحد 29 يناير 2012 - 20:40 من طرف الشريف محمد خليل الشريف

» غزة رمز العزة
الخميس 5 يناير 2012 - 17:31 من طرف الشريف محمد خليل الشريف

»  بمناسبة المصالحة الفلسطينية- للشاعر الفلسطيني أ. عبد الفتاح فرج الله( أحمد)
الجمعة 2 ديسمبر 2011 - 1:44 من طرف سامي عبد الفتاح فرج الله

» من اغرب المبانى فى العالم
الأربعاء 30 نوفمبر 2011 - 11:58 من طرف سامي عبد الفتاح فرج الله

» قصيدة شعرية- خاصة لقريتنا بربرة-للشاعر الفلسطيني أ. عبد الفتاح فرج الله-أبو أسامة
الأربعاء 30 نوفمبر 2011 - 8:24 من طرف سامي عبد الفتاح فرج الله

» قصيدة بمناسبة تحرير الأسرى- للشاعر الفلسطيني أ. عبد الفتاح فرج الله
الأربعاء 30 نوفمبر 2011 - 8:09 من طرف سامي عبد الفتاح فرج الله

أفضل 10 أعضاء في هذا الشهر
الشريف محمد خليل الشريف
 
المواضيع الأكثر نشاطاً
عجوز فى غزة تتنبأ بأشياء مستقبلية خطيرة للوطن العربى -ادخل فورا
لعبة الماء والصابون
اقرا كيف سيكون وضع اسرائيل عام 2015
الشاعر البربراوى/ سعيد محمود ابرهيم ابو طبنجه احمد
عد لعند 5 وكهرب العضو يلي بدك اياه
يوم آخر من أيام صنعاء
السيرة النبوية العطرة
كفاح الاجداد ... قصة من الذاكرة البربراوية
عد لخمسه واختار عضو وكب عليه سطل ماء ( ميه بارده)
اجمل و ارق الديكورات
المواضيع الأكثر شعبية
قوانين كرة السلة
خريطة فلسطين
عجوز فى غزة تتنبأ بأشياء مستقبلية خطيرة للوطن العربى -ادخل فورا
لعبة الماء والصابون
أسئلة IC3 للأخ ابو محمد
عبد الحليم حافظ (عاش اللى قال) انتصار اكتوبر
ما هو الرسم وما هى انواعه
اقرا كيف سيكون وضع اسرائيل عام 2015
اصعب فزورة فى العالم من يحلها؟؟؟؟
صور نادرة لرأفت الهجان الجاسوس المصرى الذى قهر اسرائيل

شاطر | 
 

 رواية (مهاجر الى الجحيم ) فى حلقات للكاتب البربراوى:على حسن سالم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو اسامة



عدد المساهمات: 35
نقاط: 62
تاريخ التسجيل: 08/07/2009
المزاج: متفائل

مُساهمةموضوع: رواية (مهاجر الى الجحيم ) فى حلقات للكاتب البربراوى:على حسن سالم   السبت 27 مارس 2010 - 22:43

الحلقة الاولى
قال الراوي يا سادة يا كرام:


يحكى أنه في قريب الزمان، يوم كانت فلسطين عربية، وكان اليهود شعب أقليه، يفتخرون بانتمائهم لأرض فلسطين الطاهرة، أرض الإسراء والمعراج، مهد الأديان السماوية الثلاثة، ففلسطين أرض الميعاد عند اليهود الذين يعتقدون أن الله عاهدهم بأن يهبها لهم، وهي أيضا الأرض الطاهرة عند المسيحيين، لأنها وطن المسيح عليه السلام، وهي الأرض المقدسة الشريفة عند المسلمين، لأن بها المسجد الأقصى الذي يلي المسجد الحرام قداسة، وتضم فلسطين من المزارات المقدسة: بيت المقدس، وبيت لحم، والناصرة، وحبرون "الخليل".



كان اليهودي في روسيا وأوروبا وأفريقيا يحلم باليوم الموعود، يحلم بيوم الفرار من التمييز العنصري الذي يتعرض له في غرب أوروبا وشرقها... كان اليهودي يحلم بيوم الهجرة من الأحياء اليهودية " الجيتو Ghetto"، والتحرر من العبودية والقسوة التي يعانيها في المدن الأوروبية، وحرمانه من أبسط حقوق الإنسانية.

حقيقة أن اليهود كانوا مساكين يثيرون الشفقة، وذلك بسبب أوضاعهم الاجتماعية وعقائدهم الدينية، فقد زرعوا بذور الحقد والكراهية في نفوس الشعوب والمجتمعات التي عاشوا فيها، فتم طردهم من أوربا الغربية ونزحوا إلى أوربا الشرقية وروسيا.

وحيث أن اليهود يشكلون دائماً مجموعات منفصلة خاصة بهم عرقياً ودينياً ولغوياً، ولا يندمجون مع الآخرين ولا يتزوجون إلا فيما بينهم، ويمارسون دائما الأعمال القذرة والمنبوذة، فمنهم تجار الربا وأصحاب الخمارات والملاهي الليلية، لذا فقد احتقرهم المسيحيون، ونظروا إليهم نظرة ازدراء، وأثيرت حولهم النعرات اللاسامية، فوقعت ضدهم مجازر رهيبة في روسيا عام 1882م، مما اضطرهم للبحث عن ملجأ آمن يهاجرون إليه، فكانت البلاد العربية الإسلامية هي ملجأهم، فهاجروا إليها آمنين في ظل الدولة العثمانية، وانتشروا في فلسطين والشام وبلاد المغرب والجزيرة العربية.

ومع انهيار الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وانتصار بريطانيا العظمى، حصلت الأقلية اليهودية على حقوق وامتيازات إضافية حققت بها أحلام وآمال وتطلعات زعماء الصهيونية وعلى رأسهم ثيودور هرتزل، ونجحت مساعي اليهود الصهاينة من انتزاع وعد بريطاني بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، أعقبها موجة من الهجرة الصهيونية اليهودية إلى فلسطين، وازدادت الهجرة اليهودية وتضاعفت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث أثار الاضطهاد النازي لليهود عطفاً عميقاً عليهم، فشعر الأمريكيون والبريطانيون أن عليهم التزاماً بأن يعوضوا يهود أوربا المشردين عن الويلات التي عانوا منها على أيدي النازيين، بيد أن هذا التعويض إنما جاء على حساب شعب فلسطين الذي لا ذنب له ولا جريرة في الجرائم التي أرتكتب ضد اليهود في أوربا.

ومنحت حكومة الانتداب البريطاني اليهود سيطرة متزايدة على مقدرات فلسطين الاقتصادية، وتمتعت الصناعات اليهودية بحماية الحكومة، في حين كانت القرى العربية تُدَمرّ لتَفسح المجال للمستعمرات الصهيونية، وصار لليهود مستشفياتهم ومدارسهم ومنظماتهم السياسية، وتمتعوا بمعاملة متحيزة من حماتهم البريطانيين.

وأصبح لليهود في فلسطين حظوة وعزوة، وسخروا أموالهم لتحقيق مآربهم، فكان لليهودي الحق كأي مواطن عربي فلسطيني، أن يشتري ويبيع طالما أنه يدفع الضرائب للسلطات البريطانية الحاكمة وممثلها المندوب السامي، وهكذا أصبح اليهود الأجانب يشكلون حكومة داخل الحكومة البريطانية، وتضافرت جهودهم مع بعض الفلسطينيين المسيحيين، وقلة من الفلسطينيين المسلمين، الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، واللذة الآنية بالنعيم المقيم، لتغيير سلوكيات المجتمع الفلسطيني المحافظ على تقاليده وأعرافه وانتشرت المقاهي والملاهي، والمسارح ودور الفضائح، وفتحت الربوع السياحية الخلابة، وجذبت إليها طلاب الدنيا والمتعة الزائلة من شتى الأقطار والأمصار، حتى صار عدد السياح الأجانب أكثر من عدد السكان الأصليين.

****

وهنا تقوقع الحاج عبد الرحيم على نفسه وعلى زوجته "صبريه" وأطفاله العشرة... فعبد الرحيم فلاح فلسطيني مسلم ومسالم ومن بني سالم، يحب السلام ويعشق الأرض، وقد كانت له أرض صغيرة في قرية نائية من قرى الجنوب الفلسطيني اسمها "بربرة"، قرية هادئة وادعةً، على رمال السهل الساحلي للبحر الأبيض المتوسط، تبعد بضع كيلو مترات عن مدينته المفضلة "المجدل" … كان الحاج عبد الرحيم كثير الاعتزاز بأرضة وقريته ومدينته وجذوره، فهو لا يعترف بأن أرضه كانت صغير، وأن قريته "بربرة" كانت نائية غير مدرجة على الخرائط الجغرافية، وأن مدينته "المجدل" كانت مجرد قرية من لواء غزة الصحراوي، وأن جذوره اندثرت بين الشام واليمن كبقية الحضارات العربية التي سادت ثم بادت… لقد تغيرت الأحوال، وتبددت الآمال، فصادروا أرضه الصغيرة، وهاجر من قريته النائية، وابتعد عن مدينته المحبوبة، واجتثت جذوره العميقة الراسخة في أعماق أرض فلسطين لثلاثمائة سنة.

كان من السهل على الحكومة البريطانية ومندوبها السامي ووزير خارجيتها انتزاع الحاج عبد الرحيم من جذوره بقرار ملكي من صاحب جلالتهم، لكن من الصعب عليهم فهم الأساليب الاستراتيجية للفلاح الفلسطيني الذي تَعَوّدَ أن يترك بعض البذور في الأرض أثناء موسم الحصاد بشكل عشوائي، حتى تنمو النباتات المزروعة نظامياً، فيقتلع الأعشاب والنباتات العشوائية، لهذا حرص الحاج عبد الرحيم على تدريب زوجته "صبريه" على فن حفظ جذور العائلة، وشدد عليها في أواخر أيامه أثناء الحصار الإجباري، بأن تحافظ على "محمود" آخر حبات عناقيد العائلة، فهذه البذرة التي يتركها الفلاح في الأرض قبل موسم الزراعة النظامية.

وهذه الرواية التي سمعتها من الحاج عبد الرحيم في نهاية عام 1941م، قبل هجرته من قريته، وسمعتها من زوجته "صبريه" بعد عودتها إلى قريتها في نهاية عام 1947م، وعايشتها معهم في مخيمات اللاجئين بقطاع غزة من نهاية عام 1948م حتى بداية عام 1968م، واستكملت فصولها من على شرفة قصر "محمود" المطلة على شاطئ البحر الخلاب في غزة مع نهاية عام 1999م وبداية الألفية الثالثة...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابو اسامة



عدد المساهمات: 35
نقاط: 62
تاريخ التسجيل: 08/07/2009
المزاج: متفائل

مُساهمةموضوع: رد: رواية (مهاجر الى الجحيم ) فى حلقات للكاتب البربراوى:على حسن سالم   الإثنين 29 مارس 2010 - 3:35

الحلقة الثانية

ولنستمع أولاً إلى الحاج عبد الرحيم وهو يروي بالتفصيل حكاية أرضه وجذوره من بدايتها إلى قبل نهايتها، أي قبل اقتلاعه منها... فيقول:

كانت أرضي شاسعة، حوالي خمسون دونماً، وكانت أشجار التين الباسقة مثقلة
بثمارها الطرية ذات الألوان البديعة من الأخضر إلى الأصفر إلى الأسود إلى
الأرجواني الداكن، وكانت كروم العنب مثقلة بقطوفها الدانية المتدلية على
عرائشها كحبات المسبحة الكهرمانية، وكانت أشجار الجميز العاتية المنتشرة
الفروع والمغضنة الجذوع تحيط بأشجار التين وكروم العنب من جميع الجهات،
فكانت كالحارس الأمين، وجعل منها أجدادي سوراً منيعاً لحمايتها من
الحيوانات السائبة، وليتهم زرعوا تعويذة أو حجاباً لحمايتها من الحكومات

الاستعمارية، والأطماع السامية الجديدة التي يدعيها اليهود لأنفسهم في أرض
الميعاد... فمن أجل الوعود البراقة بامتلاك الكروم، وقطف عناقيد العنب،
سال لعاب اليهودي التائه ليرتشف العسل المصفى والخمر المعتق والشراب
السائغ والعصير اللذيذ والفطائر والحلوى والزبيب المصنوع من الأصناف
الفاخرة للعنب الفلسطيني عامة والبربراوي خاصة، ومن أجل الأحلام الذهبية
بالتين والزيتون في فلسطين وطور سينين في مصر، وهذا البلد الأمين في
الحجاز، امتدت أطماعهم من النيل إلى الفرات، ليكون لهم وطن قومي في الشام
ومصر والحجاز، أما أشجار الجميز فقد دغدغت أسماع اليهود تلك الأنباء
الكاذبة التي روجها لهم زعمائهم وخبثاءهم، فأطرب الصهيونيون أسماعهم بشجرة
الجميز التي لا تزرع إلى في أرض الميعاد، تلك الشجرة الضخمة المعمرة التي
تعطي ثمارها الشهية طوال العام دون انقطاع، وتعمر مئات السنين بل آلاف
السنين، ففي أرض مصر توجد شجرة جميز تعرف باسم شجرة مريم، ويقولون لهم
أنها ظللت السيدة العذراء والمسيح عند لجوئها إلى مصر، وفي قرية "بربرة"
توجد أشجار الجميز المعمرة منذ مئات السنين، وفيها قطوف العنب الكبيرة،
حيث وصل القطف "العنقود" أكثر من خمسة كيلوا جرامات، وفازت بربرة بالمرتبة
الأولى على مستوى قرى ومدن فلسطين، في مسابقة مندوب الزراعة البريطاني في
عهد المشئوم هربرت صموئيل اليهودي والصهيوني الذي كان مندوباً إنجليزياً
على فلسطين، والذي نادى بهجرة ثلاثة أو أربعة ملايين من اليهود إلى فلسطين
تحت الحماية البريطانية، فوضحت من ذلك المطامع الصهيونية بصورة لا خَفَاء
فيها، وثبت أن ما يرمون إليه ليس مجرد إنشاء وطن قومي وملاذ لضحايا
الاضطهاد من اليهود في مختلف البلدان، بل إن الهدف الحقيقي هو إقامة دولة
يهودية متكاملة الأركان.

وازدادت الهجرة اليهودية غير المشروعة، فازدادت عداوة العرب، ووقع شغب
وحدثت إضرابات وفرضت أحكام عرفية واستمر الكفاح الوطني لصد الهجرة
اليهودية وإعاقة المطامع الصهيونية في فلسطين، ولحصول على الاستقلال عن
الانتداب الإنجليزي على فلسطين الذي فُرض على الشعب الفلسطيني عام 1920م.

يومها كان عمري عشرون عاماً، كانت أمتع أيام شبابي، كانت أحلامي وطموحاتي
لا تتجاوز أرضي الطيبة وثمارها، وزوجتي الحبيبة التي لم تعطي ثمارها، رغم
أنني عاصرت في شبابي الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلا أنني لم
أسمع عن تلك الحروب العالمية إلا وأنا في بطاح مكة، وفي ليالي التشريق
بمنى، حيث جمعتنا صحبة من إخواننا الأبرار من مصر وسوريا، وعلى مدار
الليالي الثلاثة، وسمعت منهم عن الحوادث التي وقعت في فلسطين، على بُعد
بضعة كيلوا مترات من قريتي النائية، تلك الحوادث التي تشيب لها الولدان،
وسمعت أن العرب حين قاتلوا في صف الحلفاء في الحرب العالمية الأولى ضد
الأتراك، قد اعتقدوا أنهم يحاربون في سبيل استقلالهم، فإذا بهم ينكبون
بالانتداب الإنجليزي والفرنسي بدلا من نيل استقلالهم، وسمعت عن المجازر
والمؤامرات والمؤتمرات والمظاهرات والإضرابات، فقد كنت بعيداً عنها،
وكأنها تحدث في عالم آخر بعيداً عن كرتنا الأرضية، وحيث أنني لم أكن
ضليعاً بأمور السياسة، أو على رأي مختار قريتنا "حمار سياسة"، فلم أشغل
ذهني كثيراً بهذه الأمور الغامضة، وغير المفهوم أهدافها ومراميها، ومع
نهاية مناسك الحج تبخرت صور الأحداث من رأسي، كما يتبخر العرق من جبهتي
وساعدي اللذان يشقان أرضي الطيبة لا زرع أو أسقي أو أحرث أو أجني خيراتها،
فعلى تراب هذه الأرض أنسى الهموم والأحزان، ومن قلب وصدر صبريه أتنسم عبير
الحرية، ومع بزوغ النوّار وأزهار الأشجار، ومع ترعرع الأبناء يتجدد الأمل
بالحياة.

وتوقف الحاج عبد الرحيم قليلاً، ورانت لحظات من الصمت، كأنه يسترجع ذكريات غابرة من الماضي السحيق... ولكنه فاجأني بقوله:

دعنا نبتعد قليلاً عن تلك الصراعات، والنزاعات، وما حل بفلسطين من نكبات،
ولنختصر الأزمنة والمسافات، وأحدثك عن شروش (جذور) العائلة التي انقرضت
كما انقرض الديناصور وفيل الماموث، وبقي منهم أشباههم من الزواحف والفيلة
الأليفة، ولم تنقرض سلالة بنو سالم بفعل الرياح وعوامل التعرية أو
بالتغيرات الجيولوجية وتقلبات الطبيعة، بل بسبب دعوة مظلوم من عبد فقير
قتله جدنا "سالم" ظلماً وعدواناً بعدما أعطاه العهد والأمان، فانمحقت
ذريته، ولم يتبقى منها إلا بذرة واحدة، كانت تنمو وتترعرع بالعناية
الإلهية الكريمة، حتى إذا تشعبت فروعها، أصابتها دعوة المظلوم بالفناء،
فلا يبلغ الأبناء الذكور سن البلوغ حتى تموت وتتساقط كالأوراق الجافة في
فصل الخريف، وتستمر البذرة الوحيدة تنمو وتترعرع... ثم تتكسر الفروع
والأغصان وتتساقط الأوراق، ولا يبقى إلا الجذر والساق ممتداً وشامخاً عبر
مئات السنين... وكان آخر تلك البذور المتبقية من هذه السلالة... والدي
وحيد أبويه، الذي ظن أنه ناج من دعوة المظلوم، فقد رزقه الله خمسة أبناء
ذكور، كنت أن أولهم وأكبرهم... فقد مرت عشر سنوات عصيبة على والدي لم
يرزقه الله بأحد غيري، رغم أنه تزوج بامرأة أخرى بعد خمس سنوات من ولادتي،
ولم تنجب أيضاً، وفي السنة السابعة تزوج بامرأة ثالثة، وفي السنة التاسعة
تزوج بامرأة رابعة، ومع هذا لم ينجبن نساؤه الأربعة لا بنين ولا بنات...
وفي السنة العاشرة أنجبت له أمي شقيقي محمد... فطلق والدي نساؤه الثلاثة،
وبقيت أمي زوجته الأولى والأخيرة والأثيرة عنده، وأسماها أم الأولاد لأنها
أنجبت له خمسة أولاد ذكور...وكانت فرحة والدي عظيمة بتجاوزي سن البلوغ...
فقد كان يعد الأيام والليالي لإكمال فرحته بزواجي، وكما يقول لي دائماً
(ربيتك كل شبر بنذر)، فخطب لي ابنة عمي " صبريه " أجمل فتيات قريتنا، وبعد
زواجي وازدياد عدد أحفاده من بنين وبنات، أعرب لي عن رغبته في أداء فريضة
الحج واصطحابي معه إلى بلاد الحجاز، ومع عودتي من الحجاز خلع علىّ أهل
القرية لقب "الحاج عبد الرحيم"...

كانت حياتي هنيئة مريئه، نعمل أنا وإخوتي وأهلي، نأكل ونبيع من خيرات
أرضنا، حتى أنخرط إخوتي الأربعة في الجهادية لمقاومة الانتداب البريطاني
وطرده من بلادنا، فقد تعلموا من الشيوخ وقادة المجاهدين أن الإنجليز هم
أعداء الله وأعداء الأمة الإسلامية، ولهم أطماع استعمارية في نهب خيرات
الشعوب العربية... ومع ذلك فإن هذه الأحداث لم تكن تعنيني بشيء، فقد كانت
طموحاتي لا تتعدى فرحتي ببزوغ فجر يوم جديد، لأداء الصلاة حاضراً وجماعة
في المسجد أو مع زوجتي وأطفالي الذين يزدادون عاماً بعد عام، وفرحتي تزداد
برؤيتهم وهم ينمون ويكبرون كما تنمو النباتات وتكبر، وأحلامي تزداد
بترعرعهم، فأناديهم بأسماء الوزراء والقادة، فأكبرهم "إبراهيم" أناديه
بوزير الجيش والحربية فهو ذو شخصية وهيبة على أخوته الذكور والإناث، أما
الثاني "محمد" فأناديه بوزير المالية فهو اقتصاديا من الطراز الأول،
والثالثة هي ابنتي المحبوبة "فاطمة" فأناديها بالأم الحنون، فهي التي بدأت
تتولى تربية أبنائي الذكور الأربعة الذين أسميتهم على أسماء أعمامهم رحمهم
الله، فقد أنضم إخوتي الأربعة لفرق الجهاد للدفاع عن أرض الوطن، وشاركوا
في ثورة عام 1936م التي دامت ثلاث سنوات كاملة، وأبدى فيها الثوار عجباً
عجاباً من بطولة النضال ضد الصهيونيين والبريطانيين معاً، وأبلى المجاهدون
العرب البلاء الحسن في جهادهم من أجل الدفاع عن وطنهم، وخاض أخوتي مع
المجاهدين معارك الحياة أو الموت، وأهَلّ عليهم هلال الفوز في بدء
المعارك، وانتصروا في أكثر من مواجهة مع اليهود.

وفي فجر يوم الخميس 28/11/1940م استشهدوا جميعاً في معركتهم الكبرى ضد
الإنجليز، فهاجت قريتنا وبقية قرى فلسطين بالأغاني والزغاريد والاحتفالات،
وحٌمٍلَ الشهداء على الأعناق في موكب لم تشهد فلسطين له مثيل، و...

يا يُمْا لا تبكي علىّ
أرض فلسطين غالية علىّ
[size=16]الواحد منا بيسوى ميه
والموت أهون من الردية




فاغتاظ الإنجليز وازداد حنقهم وحقدهم وغضبهم على الشعب الفلسطيني الذي
يرزح تحت احتلالهم وأحذيتهم العسكرية، ولكن العزة والكرامة التي يفتخر بها
الفلسطينيون تأبى إلا أن تقاوم، ودبت الفوضى في البلاد، فتجبرت سلطة
الانتداب البريطاني وازداد قمعها وتعذيبها لكل فلسطيني يحمل سكيناً أو آله
حادة، وصادرت السلطات كل أراضينا، وتم اعتقالي بعد صلاة الجمعة مع البقيةُ
الباقية من رجالنا وشيوخنا، والُقي بنا في غياهب السجون والمعتقلات
الإنجليزية التي بناها الأتراك في زمن سلطتهم الغابرة... مات والدي العظيم
يوم أدخلوه المعتقل عنوة... أبت كرامته وشهامته أن يُلقى بها مهملة في
سجون ومعتقلات أبناء القردة والخنازير، فلفظ جسده الطاهر روحه المؤمنة
التي انتقلت إلى بارئها عز وجل، ولم تتحقق أمنية بالموت فوق جبل عرفات
بالحجاز، يوم وقفت معه قبل عشر سنوات نبتهل إلى الله عز وجل في موسم الحج،
أن ينصرنا على اليهود والإنجليز، ولم تتحقق أمنيته بالشهادة مع ثوار
ومجاهدي الشيخ عز الدين القسام... مات والدي العظيم ولم يسمح لي بالصلاة
على جنازته... فصليت عليه صلاه الغائب أياماً وشهوراً، وبَقَيتٌ أنا
قابعاً في معتقلي... حزيناً على فراق والدي الذي روى برمه وعرقه أرضنا
الطيبة التي ورثها عن أجداده.







[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابو اسامة



عدد المساهمات: 35
نقاط: 62
تاريخ التسجيل: 08/07/2009
المزاج: متفائل

مُساهمةموضوع: رد: رواية (مهاجر الى الجحيم ) فى حلقات للكاتب البربراوى:على حسن سالم   الأربعاء 31 مارس 2010 - 4:57

الحلقة الثالثة


كانت
الأيام تمر بطيئة كئيبة... كنت أعدها يوماً يوماً، وأمني لنفسي وأصبرها
بأن فرج الله قريب وأقول لها... يا نفسٌ لا تجزعي ولا تيأسي، فإن شمس
الحرية ستبزغ في الغد القريب... كان وجودي في المعتقل مفيداً لزراعة بذور
الثقافة السياسية في فكر وعقل فلاّح " بربراوي " بسيط يعمل بجد وهمة في
أرضه، يمتاز بالكرم والشهامة والنخوة وحب مساعدة الآخرين... نعم، كان
المعتقل مدرسة حقيقة، فقد تعلمت من خلال الجلسات التي كان يعقدها الأساتذة
والشيوخ وأصحاب الفكر والرأي أموراً كثيرة ً شملت جميع النواحي الدينية
والاجتماعية والسياسية... فقد حفظت عن الشيوخ أحاديثهم عن مكانة فلسطين
وأهميتها الدينية التي جعلت منها بلداً مقدسا تشد إليه الرحال، خاصة قدسها
ومسجدها الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومربط
البراق الذي ركبه النبي يوم الإسراء والمعراج، { سبحان الذي أسرى بعبده
ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من
آياتنا إنه السميع البصير }

كما سمعت في المعتقل الكثير من المناقشات التي كانت تدور بين أساتذة
السياسة، واتهاماتهم للحكومة البريطانية و مندوبهم السامي هربرت صمويل
الذي وضع القواعد الأساسية لإنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين، والذي
فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية، وأنشأ لجنة للأراضي كان هدفها تسهيل
عمليات البيع لليهود، ومنح اليهود مشروعات هامة، وجعل اللغة العبرية لغة
رسمية في البلاد مع أن غالبية الشعب عربي مسلم، الأمر الذي أثار الصراع
السياسي منذ البداية، وجعل الشعب العربي يتوجس خيفة من حكومة الانتداب ومن
كل أعمالها منذ بداية فترة الانتداب وحتى نهايته، وقد أكد الشعب الفلسطيني
تصميمه على مكافحة السياسة الاستعمارية والسياسة الصهيونية الاستيطانية
ومقاومتها حتى النهاية، وأعلنوها حرباً شعواء على الصهيونية من غير هوادة
ولا لين، فقامت المظاهرات والثورات والانتفاضات وعقدت المؤتمرات، وكلها
تندد بالصهيونية والاستعمار، مما جعل إدارة الحكم المدني الفلسطيني تقاوم
هذه الثورات والإضرابات وتقمعها بقسوة في سبيل تنفيذ سياسة إنشاء الوطن
القومي لليهود في فلسطين.

***

وجاء الفرج بعد مرور عام على اعتقالنا... فقد صدرت المكرمة البريطانية
بالعفو عن جميع المعتقلين الفلاحين، حيث توصل القضاء الإنجليزي إلى براءة
أهل المخربين من جرائم أبناءهم وإخوانهم... وخرجت من المعتقل والشوق
والحنين يشدني لرؤية زوجتي صبريه وأولادي العشرة، وأخرهم محمود أخر
العنقود الذي لم يتجاوز السنة والنصف من عمره يوم دخلت المعتقل... كنت أحث
خطواتي مع رفاق المعتقل لرؤية أمي الحنونة، التي انفطر قلبها يوم فجعت
باستشهاد إخوتي الأربعة في يوم واحد... كنت اسرح في الأفق البعيد باتجاه
قريتنا، وتمنيت لو كانت عيناي كزرقاء اليمامة، فأمتع ناظري بأرضي وأرض
أجدادي وعريش العنب وأشجار التين... وأخيراً وصلت قافلة المعتقلين لمشارف
القرية... وسمعنا زغاريد النساء وتكبيرات الرجال وتهليلهم، وكان على رأس
المستقبلين مختار قريتنا وحوله ثُلة من الرجال، وعشرات النساء والأطفال
الذين غمرونا بالقبلات والدموع... ولم يكن من ضمن المستقبلين زوجتي "
صبريه " ولا أولادي العشرة، ثم قادونا إلى مجلس المختار الكبير
“المضافة"... وقدمت القهوة العربية، وأقيمت العزائم والولائم، ورغم ذلك،
كنت طوال تلك الساعات صامتا لا أتكلم، كان أهم ما يشغل ذهني، هو أن ينفض
هذا المجلس لألتقي بزوجتي وأولادي وبناتي وأمي وأرضي... وأخيراً انفض
المجلس قبيل المغرب... فاستأذنا من المختار، لرؤية أهلنا وأولادنا، فأذن
لهم جميعاً إلا أنا، استوقفني... وأمسك بيدي كأنه يسلم علىّ من جديد،
فهززت يده مودعاً وقلت له:

- اسمح لي يا مختار... فأنا مشتاق للأولاد والدار... مشتاق لأمي وأرضي... وصبريه والحاكورة.

تصنع المختار بالحزن، وقطب حاجبيه وعبس وقال:

- اسمع يا أبو إبراهيم... أنت رجل مؤمن بالله ورسوله، وبالقدر خيره وشره،
وتؤمن أن كل شيء قسمة ونصيب... الإنجليز صادروا أرضك ودارك... وأنا
اشتريتهم في المزاد العلني، والخواجة مأمور الطابو... أعطاني صك شرعي
بملكيتهما، ثم بنيت لزوجتك وأولادك غرفة كبيرة في أرض الحاكورة.

لم أتمالك نفسي لمجرد سماعي لهذا الخبر الفاجع، فترنحت وكدت أن أسقط على
الأرض، لولا أن المختار حملني من تحت إبطيّ، وقادني حتى وصلت لداخل الغرفة
الكبيرة... وقال لزوجتي:

- الله يهنيكِ بعودة أبو إبراهيم.

قامت زوجتي وسلمت علىّ ومَسَحتْ دموعها ودموعي، وهجم الأولاد عَليّ يقبلون
يديّ ورأسي ووجهي... فشعرت بفرحة وسعادة، وغمرتني نشوة الانتصار، فأرضي
سأستعيدها من المختار، بكفاحي وكفاح أولادي العشرة... وبعد أن ذهب الحزن
على ضياع أرضي... سألت عن أمي... فأشارت زوجتي والدمع ينهمر من عينيها إلى
حاجز القماش معلق من السقف حتى الأرض... وقالت:

- أمك مريضة وتعبانه... صار لها سنة على هذه الحال... من يوم ما استشهد
أولادها، وأخذوكم إلى المعتقل... ومات عمي الله يرحمه... وهي نائمة في
فراشها، لا تقوم إلا لقضاء حاجتها.

ثم أزاحت الستارة الطويلة، ونظرت لوجه أمي الأصفر وعيناها الغائرتان،
وشفتاها المرتجفتان، فكادت قواي أن تنهار مرة أخرى... فتحاملت على نفسي
حتى وَصَلْتُ إلى فراش أمي... وانكببت على يديها أقبلهما، وأقبل رأسها
ووجنتيها، وفتحت أمي عيناها، ورفعت يديها لتضعها على رأسي، وقالت:

- الحمد لله على سلامتك يا ولدي... والبقية في رأسك، شد حيلك... أرضك وأرض
أبوك وأرض أجدادك أخذهم المختار، ودم أبوك ودم أخوتك لن يذهب هدراً... خذ
بثأرك من المختار واليهود والإنجليز... أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن
محمد رسول الله.

ولفظت أمي أنفاسها الأخيرة، فأسبلت عينيها وقرأت الفاتحة والمعوذتين...
وأذن المؤذن لصلاة المغرب... فقامت زوجتي وغسّلت أمي وكفنتها بقماش
الستارة... وصلينا المغرب جماعة وصلينا عليها صلاة الجنازة... وحفر
الأولاد حفر بجوار الغرفة، وحملنا الجثمان وواريناه الثرى، وأحضرت أم
إبراهيم بعض الحطب وأوقدت النيران، فاشتعلت أعواد الحطب، وبدأت تتحول جذوع
الأشجار إلى جمر ملتهب، ورغم أن الدفء بدأ يسري في أوصالنا إلا أن الصمت
البارد قد شملنا جميعا، فلم ينبس أحدنا بكلمة واحدة لساعات خلتها طويلة،
لم يقطعها سوى أصداء بعيدة لصوت المؤذن والإمام الشيخ سلامة، وهو ينادي
لصلاة العِشاءْ، كان الصوت ضعيفاً جداً لا يكاد يسمعه أحد الجالسين خارج
الغرفة بجوار القبر المتكوم في أرض الحاكورة، ولكن الصمت المطبق ورياح
الشتاء الباردة حملت ذبذبات الصوت إلى مئات الأمتار حتى وصلت إلى الحاكورة
البعيدة عن العمران وعن مسجد القرية.

واعتدلت في جلستي، ورفعت كفيّ للسماء، وتضرعت إلى الله قائلاً والدمع ينهمر من عيوني مدراراً:

- إن لله وإنا إيه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم أجرني في مصيبتي، اللهم ارحم أمي وأبي وأمواتنا وأموات المسلمين.

- آمين... آمين... آمين.

- لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، اللهم إني أعوذ بك من الهم
والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من
غلبة الدين وقهر الرجال.

- آمين... آمين... آمين.

كلمة رددها الأولاد مراراً وتكراراً... بعثت الدفء في قلوبهم العامرة بالإيمان.

نهض الحاج عبد الرحيم قائما على قدميه، وهو ينضو الأوراق الميتة عن عباءته
( الدماية ) المصنوعة من الحرير والبالطو ( الساكو ) الصوفي، كذلك نهض
الأولاد وراحوا ينفضون الشوائب عن ثيابهم، وهم ينظرون إلى والدهم بذهول...
كم يبدو لهم هذا المشهد وكأنه حلم أو وهم!! ها هو قبر جدتهم يتلألأ مع
أضواء القمر الخافتة وانعكاسات ألسنة النيران على ترابه المبلل بالماء.



- وحملنا أمتعتنا ورحلنا عن هذه القرية.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابو اسامة



عدد المساهمات: 35
نقاط: 62
تاريخ التسجيل: 08/07/2009
المزاج: متفائل

مُساهمةموضوع: رد: رواية (مهاجر الى الجحيم ) فى حلقات للكاتب البربراوى:على حسن سالم   السبت 3 أبريل 2010 - 4:56

الحلقة الرابعة
هكذا هاجر الحاج عبد الرحيم مساء يوم
الجمعة 28/11/1941م، من قريته متجهاً إلى المدينة، يحمل على عاتقه صرة
كبيرة من الخبز الأسمر، هي كل ما تبقى من المساعدات العينية التي قدمها
الأهالي لهم في فترة اعتقاله، بعد أن باعت زوجته كل ما تملك من ذهب وأثاث،
فالأرض باعها الإنجليز لمختار القرية بأبخس الأثمان، وكما يقال: " أعطىّ
من لا يملك، أرضاً لمن لا يستحق"...



كانت خطوات الحاج عبد الرحيم بطئيه منهوكة، مثقلة بهموم القضية
الفلسطينية، ومآسي ونكبات ذلك الشعب المغلوب على أمره، رغم أن الأحداث
السياسية لم تعنيه لا من قريب ولا من بعيد، فهو لا يهتم بتلك الأحداث التي
تدور حوله، فهجرة اليهود من أصقاع الأرض إلى فلسطين، وتكدس الأسلحة
والذخائر في مستودعات موانئ يافا وحيفا وعكا، واندلاع الحرب العالمية
الثانية قبل سنتين هي أمور لا تعنيه، فهو رجل بسيط لا يقرأ ولا يكتب،
المهم عنده البحث عن عمل شريف ومأوى لزوجته وأبناؤه الذين ناموا في العراء
ليلتهم، واستيقظوا مع تباشير فجر يوم السبت وواصلوا المسيرة، فقادته قدماه
إلى مدينة يافا العامرة بالمباني الشاهقة، والشوارع الواسعة المكتظة
بالعربات الفارهة، واندفع الحاج عبد الرحيم يجوب أحياء وأزقة يافا، وخلفه
موكب الهجرة... زوجته صبريه التي تحمل على كتفها ابنها محمود أخر العنقود،
وتمسك بتلابيب ثوبها الفلاحي ابنتاها عائشة و خديجة، أما ابنتها الكبرى
فاطمة فكانت تحمل على رأسها صرة فيها بقايا ملابسهم الرثة، وتمسك بيد
أختها سعدية، وتناوب الابن الأكبر إبراهيم مع أخيه محمد على حمل كومة
الفرشات الثلاثة مع درزن المخدات ورعاية بقية الأبناء أحمد الذي يحمل على
كتفه فرشة أرضية "الحصيرة" والتوأمان حسن وحسين اللذان يحملان أباريق
الماء، وسار الموكب المهلهل في خط مستقيم حتى لا يزحم الشوارع المزدحمة
بالناس والعسكر والعربات... كان الحاج عبد الرحيم يطرق بحذائه العسكري "
البسّطار" بلاط أرضية شوارع يافا، والموكب الصامت خلفه يسير على نهجه دون
أن ينبس أحدهم ببنت شفه، فلا أحد يتذمر أو يشتكي أو يبكي، وكأنهم يساقون
إلى المجهول أو "كأن على رؤوسهم الطير"...

وأخيراً... أخترق الموكب آخر العمران، فاختفت الشوارع والعمارات، ولاحت في
الأفق ضواحي يافا الراقية حيث الأغلبية السكانية من اليهود والمسيحيين
وأثرياء المسلمين، وكأن يد القدر تدفع به إلى هذا الموقع من الأرض التي
يقال أنها جنة الله في أرضه، فشواطئ البحر الخلابة تتعانق مع التلال
الخضراء والمياه المتدفقة من الشلالات الصناعية، والكبائن "الشاليهات"
والفنادق والمنتجعات السياحية على رمال الشاطئ، واليخوت والمراكب الشراعية
والبخارية تجوب مياه البحر المتوسط الرقراقة، وكل هذه المناظر الطبيعية
الساحرة لم تكن تعني للحاج عبد الرحيم سوى الوصول إلى ذلك الجدار العالي
الذي نظر إليه عن بعد، فأشار إلى بقية أفراد الموكب وقال:

- هناك... تحت ظلال ذلك الجدار سنحط الرحال ونرتاح قليلاَ.

كانت هذه أول الكلمات التي تفوه بها الحاج عبد الرحيم منذ صباح ذلك اليوم،
ويبدو أن الصمت الشامل الذي لازم بقية أفراد الأسرة، قد ألجمهم فلم ينطق
أحدهم بكلمة واحدة، فهزت الزوجة رأسها بالموافقة كالعادة، وحاولت الابنة
الكبرى "فاطمة" أن تهز رأسها، ولكن ثقل صرة الملابس منعها من إبداء رأيها
بالموافقة الدائمة على أقوال والدها الحبيب الذي يناديها دائماً بالأم
الحنون... ووصلت القافلة إلى جدار عال لقصر شامخ يتدلى من فوق أسواره
أشجار الصنوبر والنخيل المحمل بالبلح الأحمر والأصفر والرطب الأسود، وبهمة
ونشاط قام الشاب بإنزال صرة الخبز عن ظهر أبيهم، وصرة الملابس عن راس
أختهم، وتم تنظيف المكان من الحجارة الصغيرة والأعواد والورق، وفُرشت
الفرشات ورصت المخدات وأصبح المكان كصيوان الأفراح والاحتفالات، وهرع
إبراهيم وأحضر سطل ماء فتوضأ الأولاد، وأخذ الأب الإبريق وملأه وغاب خلف
الجدار الأخر لقضاء حاجته وعاد ليتوضأ، وصلوا جماعة صلاتي الظهر والعصر
جمعاً وقصراً، واتكئ الحاج عبد الرحيم ونظر حوله بعين مثقله فرأى أبناؤه
الثلاثة يشكلون سلماً بشرياً لتسلق الجدار العالي، فاعتدل في جلسته وأشار
إليهم بالنزول لأن ذلك حرام، فليس من شيم الكرام السرقة والنهب، فنزل
الأبناء الثلاثة والتفوا حول أبيهم، وقال أكبرهم:

- نحن لا نسرق ولا ننهب يا والدي، إنما سنقطف بعض ثمار البلح والرطب
لنأكل، وقد علّمنا شيخ الكتاب، بأن من يأكل من البستان فإن أكله حلال زلال
وفيه صدقة لصاحب البستان.

أنهك التعب جفون أبو إبراهيم فأشار إليهم بأن يعملوا ما يشاؤن، فتسلق
الأبناء السور العالي، وجمعوا ما شاءوا من البلح والرطب، وامتلاء الجردل
"السطل" بأحلى وألذ أنواع التمور الفاخرة، وأكلوا وشربوا وحمدوا الله
وشكروه وناموا، وما هي إلا ساعة من الزمن حتى قدم عليهم عبداً أسودا،ً
لولا بقية من ضوء النهار لما رآه أحداً منهم، فقد كان زنجياً داكن السواد
يلبس عباءة "جبة" سوداء وعلى رأسه طربوش أحمر وفي يده كرباج أسود، ولكن
أعصابه هدأت عندما رأى منظر الأب النائم والأم تحنو على صغيرها تطعمه
خبزاً وتمراً، والأبناء يغطون في نوم عميق، متكدسون فوق بعضهم البعض...
فلم يشأ أن يوقظهم، فقد كان العبد طيب القلب رغم منظره المرعب، فهرول
مسرعاً لداخل القصر يصرخ وينادي:

- سيدي سليمان بيك... سيدي سليمان بيك.

فخرج له صاحب القصر مبتسماً ومتعجباً من لهفة واضطراب العبد زنجار:

- ماذا دهاك يا زنجار... هل رأيت فأراً أم شبحاً في عز النهار.

- لا يا سيدي سليمان بيك... رأيت امرأة بجانب سور القصر، وزوجها نائم مع أولاده وبناته... تعال شوف.

سحب العبد زنجار سيده سليمان بيك من يده، حتى قاده إلى الجدار الذي أناخت
فيه قافلة أبو إبراهيم ونامت، وكان سيده سليمان بيك يتضرع بالصبر، ويتمتم
قائلاَ:

- الله يطولك يا روح... سيب الناس في حالهم نايمين.

- لا... سيدي سليمان بيك... هؤلاء فلاحين مساكين، يجب علينا مساعدتهم.

- قلبك طيب يا زنجار... لابد أن نعرف أولاً ما هو أصلهم وفصلهم... ثم ننظر في كيفية مساعدتهم.

استيقظ أبو إبراهيم من نومه وفتح عينه، وعندما رأى سليمان بيك واقفاً،
اعتدل في جلسته ونظر إلى زوجته واطمأن عليها، ونظر إلى كومة الأولاد فضاق
صدره والتاع فؤاده، ودعا الله في سريرته أن يفرج همه وحزنه ويرزقهم من حيث
لا يحتسب، وأخيراً نظر إلى أعلى حيث رأس سليمان بيك بطربوشه الأحمر
وهندامه الراقي، ونزل بنظره حتى تسمر نظره على الحذاء الأنيق اللامع
الغالي الثمن، وسرح في خياله إلى أقدام أبناءه الحفاة، ولم يرفع رأسه إلا
عندما سأله سليمان بيك:

- من أنت يا رجل؟! ولماذا جئت إلى هنا؟!

تنهد الحاج أبو إبراهيم، واحتار في الجواب... من أين يبدأ جوابه، من تاريخ
قريته بربرة، أم من نهايتها بعد استشهاد أخوته الأربعة، ومصادرة أرضة
وبيته وموت أبيه وأمه وتشتت عائلتهم... وماذا سيقول له عن أسباب حضوره إلى
يافا... ومن أين سيبدأ... أسئلة كثيرة تراود ذهنه المشتت الذي لم يستقر
حتى الآن على خطه معينة لتنفيذها... لم يستطع أن يجيب، وكأن الصمت الطويل
الذي لازمه منذ خروجه من المعتقل، وفجيعته بأرضه وأمه قد شل لسانه عن
الكلام... ولم ينقذه من هذا الموقف إلا ابنه إبراهيم الذي كان مستيقظا رغم
أنه مغمض العينين... ففتح عينيه ونهض واقفاً وقال بنبره الواثق من نفسه:

- نحن من قرية نائية من قرى الجنوب الفلسطيني، اسمها بربرة.

فاستدار سليمان بيك، وتطلع إليه معجباً بقامته وشبابه، وطوله الفارع رغم أن لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره، فقال له:

- إيش اسمك يا شاطر؟!

- محسوبك إبراهيم عبد الرحيم البربراوي.

- ولماذا جئتم إلى هنا؟!

- جئنا من قريتنا على الأقدام، نبحث عن عمل نرتزق منه.

وهنا تشجع أبو إبراهيم وأشار إلى عائلته قائلاً:

- أحنا يا خواجة فلاحين... والأولاد ممكن أن يشتغلوا عمال نقل وتحميل، المهم نسترزق الله.

قال سليمان بيك بخباثة توحي بالبلادة والاستغراب:

- يعني أنت فلاح وتعرف في الزراعة... بتعرف تزرع فاكهة وخضار، وزهور وأعشاب.

لم ينبس عبد الرحيم ببنت شفه، فالدمعة بدأت تترقرق في عينيه، ويتحسر على
نفسه التي جعلت هذا الخواجة لا يعرف أن أبو إبراهيم فلاح يعشق الزراعة
أباً عن جد، وجد جدوده فلاحين... فما كان منه إلا أن فتح كفيه باتجاه
عينيّ سليمان بيك الذي حدق في شقوقهما، فكانت الأخاديد التي حفرتها معاول
الزراعة وأثار الجروح والإصابات من أشواك أعواد الحمضيات كفيلة لكي تبرهن
لسليمان بيك مدى الخبرة والكفاءة التي يتمتع بها الحاج عبد الرحيم في مجال
الزراعة الذي يعشقه حتى النخاع... وهز سليمان بيك رأسه ليؤكد له أنه اقتنع
وصدق ادعاؤه:

- عفارم عليك يا أبو إبراهيم... أتحب أن تشتغل عندي أنت وأولادك؟!

كاد قلب عبد الرحيم يطير من الفرح، وهو يسمع عرض سليمان بيك العمل عنده،
فهذا يعني رزق طيب، ومأوى آمن تحت سقف مغطى يسترهم من الشمس والمطر، وقال:

- نعم، أشتغل أنا وابني إبراهيم عندك... فكم ستعطينا أجرتنا؟!

- أجرتكم ليرتين شهرياً لكل واحد منكما، وأكفل لكم أكلكم وشربكم ونومكم مثل بقية العبيد والخدم الذين يعملون في القصر.

قال الحاج عبد الرحيم على الفور:

- موافقون... وكثر الله خيرك.

هنا انفرجت أسارير العبد زنجار، لأنه شعر أنه قد عمل معروفاً في هذه
العائلة المنكوبة، فاحتسبها صدقة عند الله، وطلب من الله أن يجعلها في
ميزان حسناته يوم القيامة، فالعبد زنجار من مسلمي زنجبار، وهذا الاسم
أطلقه عليه سيده سليمان بيك بعد أن اشتراه من الإنجليز.

بدأت العائلة تلملم بقايا فرشاتها وأثاثها، وبهمة الشباب وبقيادة زنجار
تمت إجراءات النقل والترحيل في زمن قياسي، وقادهم زنجار إلى المأوى الذي
سيعيش فيه الحاج عبد الرحيم وزوجته وأبناؤه وبناته، وأخيراً... وقفت
القافلة أمام غرفة كبيرة من الصفيح والخشب، جدارها مرتفع في حدود خمسة
أمتار، وقد تُرك أخر مترين من الجدار مفتوحاً للتهوية، ولكن السقف يوحي
بأنه متين، فهو مصنوع من ألواح الإسبست، وبجانب الغرفة يقبع حوشاً صغيراً
له سور خشبي قصير لا يتجاوز ارتفاعه المتر الواحد، وقد أحاطت بهما الأشجار
العالية وأشجار الفاكهة التي تظلل الشتلات الصغيرة والأعشاب الخضراء،
وبتنسيق بديع انتشرت أحواض الزهور والورود والرياحين، لا يفصلها عن بعضها
إلاّ الممرات المغطاة بقطع الصخر الملساء والتي نبت من بينها أعشاب وزهور
برية، كل هذا المنظر البديع والقصر مختفيا عن الأنظار.

.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

رواية (مهاجر الى الجحيم ) فى حلقات للكاتب البربراوى:على حسن سالم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى أبناء قرية بربرة :: وزارة الثقافة والادب ببربرة :: دائرة القصص والروايات-