صنعاء كما تعلمون هي عاصمة اليمن الشمالي وهي مدينة جميلة والجو فيها جاف ولطيف حيث لا تتجاوز درجة الحرارة 23 درجة مئوية وهي تقع في واد بين جبلين تبدأ القصة في عام 1979 حيث طلب مني الذهاب إليها للالتحاق بفريق العمل للإشراف على مشروع مياه صنعاء بعد أن توقف مشروع أبين ولا أمل في استكماله فركبت الطائرة المتواضعة كرافيل في مطار عدن أنا ومن معي وكنا ثلاثين شخصا تقريبا وكانت هذه الطائرة أشبه بالشاحنة القديمة أو الحافلة المتهالكة حيث لا يوجد مقصورة قيادة فجلست خلف الطيار مباشرة وقد كنت أراقبه كيف أقلع وكيف يستخدم الطيار الذاتي وماهي إلا ساعة أو ينيف حتى وصلنا مطار الحديدة التي تبعد عن مطار عدن حوالي 460 كم وقد وصلناها الساعة الثانية من بعد الظهر وكان الجو حارقا فهو يوم من أيام تموز فنزلنا من الطائرة على سلمها الخاص وقد أخرجنا جوازات سفرنا استعدادا لختم الدخول من قبل شرطة المطار فذهبنا إلى مبنى القادمين والمغادرين فلم نجد أحدا أبدا بل وجدنا حارسا فقط لا يكاد يفقه قولا ولكنه قال لنا الجماعة ذهبوا لتناول طعام الغداء وتخزين القات وهنا احترنا أنرجع ثانية أم ننتظر وقد كان يوم خميس فاستشرنا الطيار الذي اكتفى بالتزام الصمت فأدركنا أن هذه ليست أول مرة يمر فيها ركاب من عدن بهذا المطار المتواضع الذي يشبه الخرابة, الشاهد خرجنا من البوابة وأنا لا زلت اعتبر نفسي مخالفا للقوانين وقد أتعرض للمسائلة لكن تركنا الأمر وتوكلنا على الله بعد ذلك ركبنا سيارة من سيارات الأجرة وهي كثيرة هناك ميممين شطر صنعاء وقد طلب الركاب من السائق المرور على سوق القات بالحديدة لشراء بعضه للتخزين أثناء الطريق ,( القات هو نبات ذو أوراق خضراء سميكة من شجرة لا يتجاوز ارتفاعها مترا ونصف وتمضغ أوراقها الغضة بغرض التخدير ويسمون هذا المضغ التخزين وأجود أنواعه الضالعي نسبة إلى الضالع باليمن ) تبادلنا الحديث وقد كان معنا رجل مصري فكان معظم حديثنا عن نكسة 1967 أما باقي الرفاق فكانوا منهمكين في مضغ وتخزين القات وفي الطريق الذي يتلوى كالأفعى وعند خط وهمي معين أحسست أن الحرارة وفجأة قد انخفضت وأصبح الجو من حارق إلى بارد .أعتقد أن السبب هو صعود الجبال , وصلنا صنعاء ليلا إذ المسافة بين الحديدة وصنعاء 230 كم وكان المكتب في شارع حدة وهي منطقة راقية معظمها فلل ولم يكن معي ريالات وهي عملة أهل اليمن الشمالي فنزلت من السيارة إلى مقر المكتب في الفيلا المستأجرة وطلبت من أحد الزملاء أن يدفع الايجار وهناك بت في غرفة من ضمن الاستراحة وفي الصباح أخبرت موظف العلاقات العامة عن الدخول دون ختم الجواز وأنا أعتبر ذلك مخالفة كبيرة ولكني لاحظت عليه الهدوء والاطمئنان وابتسم ابتسامة تدل على ثقته بما سيعمل دون أن يقول لي أي شيء وقال لي في صباح اليوم التالي أحضر جوازك وسنذهب إلى مكتب الجوازات في صنعاء فنمت وأنا أفكر في هذا الموضوع . في الصباح ذهبنا بالسيارة إلى مكتب الجوازات ولكن قبل أن نصل المكتب نزل الموظف وذهب إلى بقالة وعاد ومعه كيس ورقي به سكر . وصلنا مكتب الجوازات وكان هناك ضابط كبير وما أن رآه حتى سلم عليه بحرارة كأنه يعرفه منذ زمن طويل وبحركة عفوية فتح الضابط الدرج الأول العلوي من مكتبه وبحركة عجيبة وسريعة كان الكيس يستقر في درج الضابط طبعا الكيس به أشياء أخرى أحلى من السكر و من ثم سأله الضابط المختص ما هي مشكلة اليوم فشرح له ببضع كلمات فما كان من الضابط إلا أن أخذ الجواز وفتح صفحة فاضية وختم الإقامة لمدة سنة وأنا أشعر بالذهول .